عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

203

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

هما شيئان من ملك ونسك * ينيلان الفتى شرفا رفيعا ومن يقنع من الدنيا بشئ * سوى هذين عاش بها وضيعا ( الحكاية الثامنة بعد المئتين عن بعضهم ) روى أن بعض الملوك كان متنسكا ثم رجع ومال إلى الدنيا ورياسة الملك ، وبنى دارا وشيدها وأمر بها ففرشت ونجدت ، واتخذ مائدة ووضع عليها طعاما ودعا الناس ، فجعلوا يدخلون ويأكلون ويشربون وينظرون إلى بنائه ويتعجبون من ذلك ، ويدعون له وينصرفون ، فمكث بذلك أياما ثم جلس هو ونفر من خاصة أصحابه فقال قد ترون سروري بدارى هذه ، وقد حدثت نفسي أن أتخذ لكل واحد من أولادي مثلها ، فأقيموا عندي أياما أستأنس بحديثكم ، وأشاوركم فيما أريد من هذا البناء فأقاموا عنده أياما يلهون ويلعبون ، ويشاورهم كيف يبنى وكيف يصنع ويرتب ذلك ، فبينما هم ذات ليلة في لهوهم ، إذ سمعوا قائلا من أقصى الدار يقول : يا أيها الباني الناسي منيته * لا تأمنن فإن الموت مكتوب على الخلائق إن سروا وإن حزنوا * فالموت حتف لذي الآمال منصوب لا تبنين ديارا لست تسكنها * وراجع النسك كيما يغفر الحوب ففزع لذلك وفزع أصحابه فزعا شديدا وراعهم ، فقال هل سمعتم ما سمعت ؟ فقالوا نعم ، قال هل تجدون ما أجد ؟ قالوا وما تجد ؟ قال مسكة على فؤادي وما أراها إلا علة الموت ، فقالوا كلا بل البقاء والعافية ، فبكى ثم أمر بالشراب فأهريق ، وبالملاهي فأخرجت ، أو قال فكسرت ، وتاب إلى اللّه تبارك وتعالى ، ولم يزل يقول : الموت الموت حتى خرجت نفسه رحمة اللّه تعالى عليه . ( الحكاية التاسعة بعد المئتين عن بعضهم ) روى أن ملكا من ملوك كندة كان كثير المصاحبة للهو واللذات ، كثير العكوف على اللعب ، فركب يوما للاصطياد أو غيره ، فانقطع عن أصحابه فإذا هو برجل جالس قد جمع عظاما من عظام الموتى وهي بين يديه يقبلها ، فقال ما قصتك أيها الرجل ، وما بلغ بك ما أرى من سوء الحال ويبس الجسم وتغير اللون والانفراد في هذه الفلاة ؟ فقال أما ذكرت من ذلك فلأنى على جناح سفر بعيد ، وبي موكلان